التونكا: الحبّة التي اخترعت العطارة الحديثة
/ 3 دقائق قراءة

التونكا: الحبّة التي اخترعت العطارة الحديثة

حبّةٌ صغيرة داكنة لا تكاد تلفت النظر، مجعّدة كأنها لوزة ذابلة. ومع ذلك تحمل حبّة التونكا دفئًا شكّل في صمتٍ كلَّ ما شممتَه يومًا من زجاجةٍ حديثة: حشيشٌ حديث الحصاد ولوزٌ مُرّ، فانيليا وحجرٌ ساخن، حلاوةٌ لا تنزلق أبدًا إلى حدّ السكّر. إن أردتَ أن تفهم من أين بدأت العطارة المعاصرة، فلن تبدأ من زهرة، بل من هذه الحبّة.

التونكا بذرة شجرة ديبتيريكس أودوراتا، شجرةٍ استوائية باسقة موطنها غابات أمريكا الوسطى والجنوبية، حيث تُعرف باسم «الكومارو». تُجنى البذور وتُعالَج وتُترك حتى تتفتّح على سطحها بلوراتٌ دقيقة، هي التوقيع المرئي للكومارين، الجزيء الذي يمنح التونكا رائحتها التي لا تُخطئ: حشيشٌ ولوز ودفء فانيليا. لا تحمل الحبّة الخام سوى واحد إلى ثلاثة في المئة من الكومارين، بينما قد يصل المُطلق المستخلَص منها إلى تسعين. ومركّزًا، يجيء ذلك العبير حلوًا وجافًّا في آنٍ، بحلاوةٍ على حافةٍ خفيفة من التبغ والعشب المقطوع.

الجزيء الذي صنع العطارة الحديثة

للكومارين فضلٌ قلّ أن يضاهيه فيه مكوّن: فقد فتح عصر العطر الحديث. رُكّب أول مرة في المعمل عام ١٨٦٨ على يد الكيميائي الإنجليزي ويليام هنري بيركن، ثم صار بعد أربعة عشر عامًا قلبًا نابضًا لعطرٍ غيّر الصنعة إلى الأبد. ففي عام ١٨٨٢ بنى العطّار بول باركيه حوله عطر «فوجير رويال» لبيت أوبيجان، وكان أول عطرٍ راقٍ يعتمد صراحةً على مادةٍ عطرية مُصنَّعة لا على الطبيعة وحدها. كانت مقامرةً جريئة، ونجحت.

ومن تلك التركيبة الواحدة نبتت عائلةٌ بأكملها: «الفوجير» أو السرخس، اتّفاقٌ من الخُزامى والأشنة البلوطية والكومارين كسا من الرجال أكثر مما كسا أيُّ بناءٍ آخر في العطارة. كل كلاسيكية حلّاقٍ، وكل عطرٍ رجالي أنيق أُعجبتَ به يومًا، يعود نسبه إلى تلك الحلاوة الدافئة الشبيهة بالحشيش التي استعارها باركيه من حبّة التونكا. أن تشمّ الكومارين يعني أن تشمّ العطارة وهي تأخذ أول أنفاسها الحديثة.

وما يُبقي التونكا خالدةً هو دبلوماسيّتها. إنها مازجٌ طبيعي: تُدوّر الحوافّ الحادّة، وتُعمّق الفانيليا، وتُدفئ التبغ، وتمنح الجلد لمسةً ناعمة كالشمواه. على البشرة تتصرّف كضوء الشمعة، لا تصرخ بل تتوهّج. وهذا الالتباس — حلوٌ دون تُخمة، أليفٌ مع بريّةٍ خفيّة — هو ما يجعل العطّارين يمدّون أيديهم إليها حين يريدون الثراء بلا ثِقَل.

عُمان، ٢٠٢٦: التونكا تعود إلى الطقس

تعيش الحبّة لحظةً هادئة من جديد. ففي هذا العام كشف بيت أمواج عن «تونكا مِسفاح»، عطر أتّار جديد صاغته العطّارة سوزي لو هيلي، مستوحًى من مِسفاة العبريين، قريةٍ واحيّة عتيقة تتدرّج على منحدرات جبال الحجر في عُمان. هو تأمّلٌ كهرماني خشبي متبّل، يلتفّ فيه دفء التونكا الذهبي اللوزي حول الزعفران والفانيليا وتراب الباتشولي الجافّ. ولأنه يُقدَّم زيتًا خالصًا — أكثر صور العطر تركيزًا وتأنّيًا — فإنه يطلب أن يُوضَع ببطء، قطرةً قطرة، بما يقارب خمسةً وأربعين دولارًا للمليلتر الواحد. هذا ليس عطرًا للراحة، بل عطرٌ كطقس.

ويبدو الاختيار محمَّلًا بالمعنى. ففي معرض «إيسينس» بميلانو هذا العام مضت موجة الغورماند في مدّها، والفانيليا والاتّفاقات الحلوة في كل مكان، وجمهورٌ شابّ متعطّشٌ لطمأنينةٍ في زجاجة. والتونكا هي ردّ العارف على كل ذلك السكّر: الدفء ذاته، لكن بتحفّظٍ وظلٍّ وهمسةٍ من الحشيش تُبقيه صادقًا. فحيث تنبسط الفانيليا المُصنَّعة إلى حلوى، تحتفظ التونكا بأسرارها: مرارةٌ يسيرة، ودخانٌ خفيف، وغرابةٌ لطيفة.

في هذه الحبّة الصغيرة درسٌ مطويّ. أشدّ ما فعلته العطارة حداثةً أنها مدّت يدها إلى جزيءٍ لم يسمع به معظم الناس، وبنت الجمال حوله. وبعد قرنٍ ونصف تقريبًا، تعود البيوت التي يُعتدّ بها إلى الدفء نفسه — لا لحاقًا بموضة، بل استعادةً لها. أن ترتدي التونكا اليوم هو أن ترتدي ذكرى ذلك النَّفَس الحديث الأول، ما زال متوهّجًا، ما زال كريمًا، وما زال يأبى أن يكون مجرّد حلاوة.

قبل ما تقرّر

اقرأ عنه. وبعدين عيش معاه.

اطلب عيّنة 2ml من أي عطر في الدار والبسه كام يوم قبل ما تقرّر.

جرّبه

اقرأ المزيد

كل المقالات ←
اكتشف عطرك جرّب 2ml