الحياة الثانية: كيف تعلَّم العطر أن يُعبِّئ ما كان يُلقيه بالأمس
/ 3 دقائق قراءة

الحياة الثانية: كيف تعلَّم العطر أن يُعبِّئ ما كان يُلقيه بالأمس

ظلَّ العطر الرفيع، طوال تاريخه، فنَّ العصرة الأولى؛ الحصاد الأحدث، والبتلة الأنقى، والتقطير الأصفى، وكلُّ ما دون ذلك يُزاح بهدوء. تمنح الوردةُ زيتَها فتذهب أزهارها المُستنفَدة إلى كومة السماد، ويمنح البرتقالُ زهرَه فتُلقى أطنانٌ من فضلاته، ويُسلِّم نبات الڤيتيڤر جذورَه العطرة فتُحرَق أكوامٌ من كتلته الخشبية. لطالما عنى الترف أن نأخذ الشريحة الأنفس من الشيء وننسى ما تبقّى.

لكن هذه الغريزة تُعاد كتابتها الآن بهدوء. أطرف فكرةٍ في عالم العطر الفاخر هذا العام ليست جزيئًا مبهرًا جديدًا، بل يقظةً في الضمير تجاه الفضلات؛ اكتشافُ أنّ ما كان العطرُ يُلقيه يمكن أن يُستدرَج ليصير شيئًا جديرًا بأن يُرتدى. تسمّي الصناعة ذلك «إعادة الاستخلاص»، وهو أن تُحوَّل بقايا عمليةٍ إلى خامةٍ لعمليةٍ أخرى؛ إنها الدائرية في ثوبٍ من حرير.

تحرَّكت بيوت التركيب الكبرى أولًا، لأنها تملك العِلم. تُقدِّم «فيرمينيش» اليوم مجموعةً دائريةً كاملة من موادَّ مصنوعةٍ بالكامل من فضلاتٍ مُستخلَصة كانت ستُرمى. واستخلصت «جيفودان» زيتًا فاخرًا من ثُفل القهوة المُستنفَد، حتى وصفته صحافة الجمال بأنه وريث زيت الأرجان. ليست هذه إيماءات؛ بل ألوانٌ جديدة على لوحة العطّار، وُلدت من نفايات صناعاتٍ أخرى: قشور الحمضيات التي يتركها صانعو العصائر، واللُّبّ ونُشارة الخشب، وبتلاتٌ مُستنفَدة أعطت عطرًا مرّة، فيُطلَب منها برفقٍ أن تعطي مرةً ثانية.

وما يجعل هذا أكثر من حكايةٍ أخلاقية أنّ الخامات المُنقَذة كثيرًا ما تفوح على نحوٍ مختلفٍ حقًّا، وأجملَ لأنها غريبة. فمُطلَق الوردة المُستخلَص من بتلاتٍ سبق تقطيرها يحمل حلاوةً أعمق وأكثر ظلًّا من العصرة الأولى، وجزيءُ الحمضيات المُستعاد من القشر يملك بريقًا ذا مَلمَس، لا لمعان الصناعيّ الأملس. صار القيدُ — كعادته في الفن — منبعًا للطابع؛ وكونُ هذه النفحات لم تُصمَّم قطُّ لتكون جميلة هو ما يمنحها روحها الهادئة المعتَّقة.

ولا يظهر هذا التحوُّل أوضحَ منه في الڤيتيڤر، ذلك المرساة الجذرية الداكنة التي تعشقها البيوت النيتش. تُنتج تلال جنوب هايتي حول «لي كاي» أكثر من نصف زيت الڤيتيڤر في العالم، وظلَّ استخلاصه لأجيالٍ مُسرفًا في الهدر، يُلقي كمياتٍ هائلة من الكتلة النباتية مقابل كلِّ كيلوغرامٍ ثمينٍ من الزيت. أما الآن فتُستعاد تلك الفضلات وتُقطَّر من جديد لتصير خامةً صالحة، فيمنح الحصادُ الواحد مزيدًا من عطره وأقلَّ من رماده. وفي مادةٍ تُقدَّر أصلًا لأنها تُمسك التركيب كلَّه، ثمّة شعريةٌ لائقة في أن تتعلَّم ألّا تُهدر شيئًا من ذاتها.

ثمّة بُعدٌ إنسانيٌّ أيضًا، وليس زخرفيًّا. حين نظر بيتٌ مثل «سنا جاردان» إلى مئات الأطنان من فضلات زهر البرتقال التي تُرسَل سنويًّا إلى مكبّات النفايات في المغرب، لم يرَ هدرًا بل دخلًا ثانيًا للنساء اللواتي يجنين الأزهار؛ سبيلًا لأن يدرَّ الجزءُ المُهمَل من الحصاد أجرًا. إعادة الاستخلاص، في أبهى صورها، لا تُرتِّب سلسلة التوريد فحسب، بل تُعيد توزيع مَن يستفيد منها، مُحوِّلةً المُهمَل إلى ثمينٍ عند كلِّ حلقة.

ويُعين على ذلك أنّ الجمهور صار أخيرًا مستعدًّا. يتوسّع قطاع النيتش أضعافًا أسرع من السوق الجماهيري، والذوّاقة المعاصر يشتري الحكاية بقدر ما يشتري الرائحة: المنشأ، ونزاهة الخامة، والإحساس بأنّ القارورة تحمل رؤيةً للعالم. فعطرٌ صُنع مما أُنقِذ لا مما حُصِد فحسب حكايةٌ تُطري ذوق مرتديها وضميره معًا، دون أن تسأله التضحية بذرّةٍ من الجمال. وهذا مزيجٌ نادرٌ وآسِر.

ليس في هذا كلِّه تنكُّرٌ للترف، بل إعادةُ تعريفٍ له. كان البذخ القديم بذخَ الإفراط: أن نأخذ الأفضل ونترك الباقي. أما البذخ الجديد فأدقُّ، وأكثرُ تطلُّبًا على طريقته: أن نرى الشيء كاملًا، وألّا نُهدر منه شيئًا، وأن نجد الذهب الخفيّ فيما كان مصيره النار. أن ترتدي عطرًا مُعاد الاستخلاص هو أن تحمل حجّةً صغيرة على بشرتك: أنّ ما هو جميلٌ لا ينبغي أن يُرمى قبل أن يمنح كلَّ ما لديه. وفي زمنٍ يتعلَّم ببطءٍ أن يُقدِّر ما أهمله بالأمس، قد يتبيَّن أنّ العطر من أبلغ معلِّميه.

قبل ما تقرّر

اقرأ عنه. وبعدين عيش معاه.

اطلب عيّنة 2ml من أي عطر في الدار والبسه كام يوم قبل ما تقرّر.

جرّبه

اقرأ المزيد

كل المقالات ←
اكتشف عطرك جرّب 2ml