زهور الأشباح: روائحُ انقرضت تعود إلى الحياة
/ 3 دقائق قراءة

زهور الأشباح: روائحُ انقرضت تعود إلى الحياة

حين تنقرض زهرة، يُفترض أن تختفي رائحتها معها. فلا معشبةٌ، مهما حُفظت بعناية، تحتفظ برائحة؛ تتبدّد الجزيئات، ويغدو عطر النبتة الحيّة شيئًا لن يعرفه أنفٌ مرة أخرى. وعلى امتداد تاريخ البشرية كانت تلك ببساطة نهاية الحكاية. لم تعد كذلك الآن.

أكثر التطورات إدهاشًا في عالم العطر هذا العقد، وأهدؤها صخبًا، ليس نوتةً جديدة ولا دارًا جديدة، بل سؤالٌ جديد: ماذا لو أمكن إعادة رائحةٍ ماتت؟ في عام ٢٠١٧، تعاون علماء الأحياء التركيبية في شركة «جينكو بايوركس» ببوسطن — التي أسّسها نفرٌ من علماء معهد ماساتشوستس — مع معاشب جامعة هارفارد، وأخذوا عيّناتٍ دقيقة من زهورٍ ظُنّ انقراضها منذ زمن. ومن تلك العيّنات المجفّفة التي بلغ عمرها قرنًا استخلصوا شظايا من حمضٍ نوويٍّ قديم، وقرأوا تسلسلها، ثم راحوا يبحثون عن الجينات التي تصنع الرائحة: إنزيمات تقف وراء عددٍ كبيرٍ من جزيئات العبير الزهري. طُبعت تلك التسلسلات من جديد، ودُسّت في الخميرة، ونمت — حتى بدأت الخميرة، على نحوٍ يكاد لا يُصدَّق، تنفث شبح رائحةٍ لم يستنشقها إنسانٌ حيّ من قبل.

جُرّبت أربع عشرة زهرة. نجت ستٌّ منها سليمةً بما يكفي لتصير شيئًا يُلبس، وصارت تلك الستّ المجموعة التأسيسية لـ«فيوتشر سوسايتي»، علامة العطور المولودة من «أركايا»، الذراع الاستهلاكية لـ«جينكو». وسُلّمت الجزيئات المُعاد بناؤها إلى ثلاثةٍ من أعظم الأنوف — جيروم إيبينيت من «روبرتيه»، صاحب عطر «جيبسي ووتر» لـ«بايريدو»؛ ودانييلا أندرييه من «جيفودان»، مؤلّفة «برادا كاندي»؛ وزميلتها أوليفيا جان — وطُلب منهم ما لا تقدر عليه خوارزمية: أن يبنوا عطرًا حول شظيّة، وأن يتخيّلوا بقيّة الزهرة من وترٍ واحدٍ بُعث من الموت. والنتائج، بأسماءٍ مثل «سولار كانوبي»، ليست معروضات علمية. إنها عطورٌ مكتملة وآسرة، صدف فحسب أنها تحمل نبضًا من ماضٍ سحيق.

من اليسير أن نصنّف هذا في خانة الطرافة، ولكنّ اليسير هنا خطأ. فما تقدّمه التقنية الحيوية لعالم العطر في ٢٠٢٦ هو ما اشتهته الحرفة منذ مئتي عام: الوصول إلى روائح كانت مستحيلة — نادرةً أكثر من اللازم، أو هشّةً، أو محميّة، أو، في هذه الحال، زائلة. وقد لمست الصناعة بأسرها هذا التحوّل طوال العام. فالمواد الطبيعية المزروعة في المختبر، وجزيئات العبير المستدامة التي تُنمّى في أوعية التخمير بدل أن تُنتزع من غاباتٍ مهددة، والنوتات المنقرضة المُعاد إحياؤها — لم تعد فضولًا هامشيًّا، بل صارت أكثر التخوم التي يتحدّث عنها أهل الدور الذين يأخذون المواد على محمل الجدّ. وعلى مهلٍ، تُعاد كتابة رومانسية المادة النادرة، التي طالما ارتبطت بالندرة وأثمانها.

ولا مكان أجرأ في هذه الكتابة من «أوزمو»، الشركة التي أخرجها أليكس ويلتشكو من مختبرات غوغل البحثية ليعلّم الآلات أن تشمّ. تعلّم نموذجه أن يتنبّأ بكيفية فَوْح الجزيء من بنيته وحدها — أشبه بخريطةٍ لفضاء الرائحة — ومن تلك الخريطة فعل فريقه شيئًا ما زال يبدو كحيلة ساحر. يسمّونه «نقل الرائحة عن بُعد»: يفكّك مطيافٌ رائحةً حقيقية إلى جزيئاتها، ويرمّزها برنامجٌ بياناتٍ، ثم تعيد طابعةٌ بناءها في مكانٍ آخر من موادَّ عطريّة خام. وكان أول نجاحٍ كامل لهم رائحة خوخٍ صيفيٍّ قُطف لتوّه، التُقطت وأُعيد تكوينها من دون وجود خوخةٍ واحدة. وفي الطريق سجّلت «أوزمو» براءات لموادَّ جديدة كلّيًا — «غلوسين» و«فراكتالين» و«كوازارين» — وصارت تتيح للدور مسارًا تعينه الآلة من الفكرة إلى أول مسوّدةٍ في لحظات.

أما لدى العارف المتذوّق، فالغريزة هي الريبة، وهي ريبةٌ صحّية. نحبّ العطر جزئيًّا لأنه صناعةُ يد، لأن الزعفران قُطف عند الفجر ولأن السوسن انتظر ست سنوات؛ ومن حقّنا أن نسأل: هل يحمل جزيءٌ وُلد في وعاء تخميرٍ أو رسمه نموذجٌ روحًا؟ لكن تأمّل ما يحدث فعلًا هنا. الزهور المبعوثة ليست محاكاةً صناعية للطبيعة — إنها الطبيعة نفسها، مُعادة البناء من تعليماتها الجينية، أوفى في طريقتها من أي تحيّةٍ يصوغها كيميائي. وما زال العطّار واقفًا في قلب المشهد، يقرّر ماذا يصنع بالهديّة. تستطيع الآلة أن تناولك وترًا لم يشمّه أحدٌ منذ مئة عام. لكنها لا تستطيع أن تخبرك بمعناه.

هنا تكمن نشوة هذه اللحظة الهادئة. كان العطر دائمًا وسيلةً للتشبّث بما يزول — فصلٌ، أو إنسان، أو مكانٌ لم يعد له وجود إلا على بشرة. والآن صار في وسعه أن يتشبّث بزهرةٍ تركتها الأرض نفسها تذهب. أن تلبس واحدًا من هذه العطور هو أن تحمل بعثًا صغيرًا، نَفَسًا من شيءٍ شطبه العالم بوصفه مفقودًا. لطالما كانت القارورة ضربًا من آلة الزمن. ونحن الآن فقط نتعلّم كم تستطيع أن تمدّ يدها بعيدًا في الماضي.

قبل ما تقرّر

اقرأ عنه. وبعدين عيش معاه.

اطلب عيّنة 2ml من أي عطر في الدار والبسه كام يوم قبل ما تقرّر.

جرّبه

اقرأ المزيد

كل المقالات ←
اكتشف عطرك جرّب 2ml