منعطف الملمس: حين صار العطر شيئًا يُلمَس
/ 3 دقائق قراءة

منعطف الملمس: حين صار العطر شيئًا يُلمَس

تأمّل كيف نتحدّث عن العطور التي نحبّها. نلجأ، شبه عاجزين، إلى لغة اللمس — فالعطر مخمليّ، كريميّ، بودريّ، حادّ، ناعم. نحن نصف شيئًا لا يُرى بمفردات أطراف الأصابع، وفي عام 2026 قرّر العطّارون أن يأخذوا هذه الغريزة على محمل الجدّ حرفيًّا. التيّار الذي يحدّد عطور الفخامة هذا العام ليس نَفحةً واحدة ولا زهرةً رائجة، بل هو الملمس نفسه.

تصفّح الصحافة المتخصّصة وتقارير الاتجاهات تجد الكلمة ذاتها تطفو مرّةً بعد مرّة. يصف العطّارون لحظةً من التجريب الذي يقوده الملمس: تركيباتٌ مصمّمة كي تُحَسّ كأنها شيءٌ ما — مخمليّة، فوّارة، مُحمّصة، معدنيّة، لامعة — وكي تستدعي مكانًا أو إحساسًا بعينه لا أن تفوح جميلةً فحسب. الطموح الجديد طموحٌ لمسيّ. لم يَعُد يُطلب من العطر أن يُسعد الأنف وحده، بل أن يترك أثره على البشرة كقماشٍ، أو كدرجة حرارة، أو كسطحٍ يمكن أن تمرّ عليه يدك.

وليس هناك أوضح من هذا التحوّل في فئة الحلويّات (الغورماند)، تلك العائلة التي طالما سادت عطور المأكولات. فلعقدٍ كامل كان الغورماند يعني السكّر: كريمة الفانيليا، والكراميل، وكلّ شيءٍ مُسكّر، حلاوةٌ فوق حلاوة حتى صارت الفئة كلها أشبه بعربة حلويّات. لكن عام 2026 ابتعد بهدوءٍ عن وعاء السكّر. صارت عطور الغورماند الجديدة تميل إلى المالح والملموس — السمسم المحمّص، والمكسّرات المدخّنة، ولمسةٌ خفيّة من الفلفل الحارّ الدافئ — صالحةٌ للأكل لكنها ليست حلوى البتّة. والأهمّ أن كثيرًا منها يحمل شفافيةً رقيقةً تشبه البشرة، حلاوةٌ صُقلت حتى لم يبقَ منها إلا قوامٌ في الفم لا حلوى في الطبق. تكاد تلمس حُبيبات هذه التركيبات.

يعيش منعطف الملمس أزهى صوره في التباين. فأكثر تركيبات الموسم إثارةً مبنيّةٌ على احتكاكٍ مقصود: فاكهةٌ مربّاويّة تلطّفها قاعدةٌ صمغيّة، وفانيليا كحوليّة يدفّئها العنبر، وشاي الماتشا الأخضر المنعش في مواجهة مسكٍ كريميّ، وأخشابٌ كلاسيكية يضيئها بريقٌ معدنيّ أو زهريّ. هذه ليست أهراماتٍ بقدر ما هي تصادمات — خشونةٌ في مواجهة نعومة، ودفءٌ في مواجهة برودة، وسطوعٌ في مواجهة عمق. وبدل أن تصرخ، يهدأ كثيرٌ منها في الجفاف إلى مسكٍ بالغ السكون لكنه يبقى ساعاتٍ طويلة، مستبدلًا الانتشار الواسع بأثرٍ حميمٍ ممتدّ يلازم مرتديه عن قرب.

وكعادتها، البيوت النيتش هي حيث تُدفَع الفكرة إلى أقصاها. ففي معرض إيسنس 2026 بميلانو — ذلك المُلتقى الذي يعمل كبوصلةٍ سنويّة لهذا الفنّ — جاءت أكثر الإصدارات حديثًا أشبه بدفتر عيّناتٍ من الأقمشة. مدّت أموياج خطّ عطورها الزيتية (الأَتّار) بعطر سويد إبري المبنيّ على جلد الشمواه البودريّ المدخّن، وعطر تونكا مِصفاة المعتزّ بعمقه الكريميّ — وكلاهما مصمَّمٌ للوضع الحميم الطقوسيّ لا للرشّ السخيّ. ولفتت إلكتيموس الأنظار بعطر آمبر بلوم، الذي نال الثناء على موازنته بين سطوع الفاكهة وعمقٍ مالحٍ معدنيّ. شمواه، وكريمة، ومِلح، ومعدن: لغة الأسطح، مُعبّأةً في قارورة.

ولماذا يَعني هذا كلّه شيئًا لهاوي العطور الجادّ؟ لأن الملمس، في نهاية المطاف، صورةٌ من صور الحميميّة. فالعطر السكّريّ الصاخب مصنوعٌ ليملأ غرفة؛ أما العطر الملموس فمصنوعٌ ليكتشفه من يقف قريبًا منك. يكافئ مرتديه أكثر مما يكافئ الجمهور. يطلب الانتباه بلطفٍ بدل أن يفرضه. وأجمل هذه العطور يتصرّف أقلّ كتصريحٍ وأكثر كقصّةٍ قصيرة تتكشّف على البشرة عبر أصيلٍ كامل — مطلعٌ، فمنعطف، فخاتمةٌ هادئة تذوب في مسكٍ دافئ.

وفي هذا كلّه شيءٌ إنسانيٌّ عميق. فالشمّ أكثر حواسّنا بدائيّةً، موصولٌ مباشرةً بالذاكرة والعاطفة، ومنعطف الملمس في حقيقته محاولةٌ لمنح هذا الوصل ما يتشبّث به أكثر. فالعطر الذي يُحَسّ مخمليًّا أو محمّصًا أو باردًا عند اللمس يرسخ في النفس أثبت من عطرٍ حلوٍ فحسب، لأنه يخاطب حاسّتين في آنٍ واحد. إنه الفرق بين أن تسمع لحنًا وأن تشعر بالقوس وهو ينساب على الوتر.

لذا، في المرّة القادمة التي يستوقفك فيها عطر، قاوِم رغبة تسمية النَّفحات. واسأل بدلًا من ذلك: بمَ يُشعرني؟ أهو جلد شمواه ممشوطٌ أم معدنٌ بارد، عسلٌ دافئ أم حجرٌ ندِيّ، وبر المخمل أم حُبيبات السمسم المحمّص؟ هذا السؤال — بمَ يُشعرني — قد يكون أصدق طريقةٍ لقراءة عطرٍ في عام 2026. لقد بدأت البيوت الكبرى تجيب عنه بالفعل. ولم يبقَ إلا أن تميل أنت نحوه، وتشعر.

قبل ما تقرّر

اقرأ عنه. وبعدين عيش معاه.

اطلب عيّنة 2ml من أي عطر في الدار والبسه كام يوم قبل ما تقرّر.

جرّبه

اقرأ المزيد

كل المقالات ←
اكتشف عطرك جرّب 2ml