نحو الشرق: صعود العطارة الآسيوية الهادئ
طوال تاريخها الحديث كانت العطارة الرفيعة تقرأ من خريطةٍ واحدةٍ مألوفة: حقول الزهور في غراس، وورشات باريس، ودور العود والورد في الخليج. تلك كانت النجوم الثابتة التي يُنتظر من أي عطرٍ أن يدور في فلكها. وما عدا ذلك كان مجرّد نغمةٍ على لوحة غيره، «لمسةً» أو زينةً غريبة. لكنّ عام ٢٠٢٦ يعيد رسم هذه الخريطة في هدوء. الإحداثيات الجديدة تشير نحو الشرق، وللمرة الأولى لم يعد الشرق موصوفًا، بل صار هو من يصف.
تحسّ بهذا التحوّل في جوائز الموسم. فمن بين الدور المرشّحة لأبرز جوائز العطور العالمية هذا العام في وادي نابا كانت «بورن تو ستاند آوت»، وهي دارٌ فتيّة خرجت من كوريا، وعطرها «بلاك جوافة» — من تأليف العطّارة سوزي لو هيلي حول الجوافة شديدة النضج والهيل والورد والعنبر الرمادي — يشبه اعترافًا أكثر منه بطاقةً بريدية. إنها فاكهةٌ على حافّة التخمة، دافئةٌ ومتوحّشةٌ قليلًا، بلا أثرٍ لتلك «الاستوائية المهذّبة» التي طالما ألصقها الغرب بأي إلهامٍ آسيوي. هذه ليست عطارةً عن الشرق، بل عطارةٌ صادرةٌ منه.
والتيّار أعمق من زجاجةٍ واحدة. فالعطّارون الذين يراقبون طقس هذه الصناعة، ومنهم كريستوف لوداميل، يقولون منذ حين إنّ أكثر الحكايات إثارةً — وأكثر الروائح تشويقًا — باتت تأتي من أقصى الشرق الآسيوي. ولهذا سببٌ بنيوي: جيلٌ من العطّارين الآسيويين الذين تدرّبوا في المدارس الفرنسية في العقد الأول والثاني من هذا القرن بلغ الآن أوجه، يتقن قواعد غراس لكنه يكتب بصوته الخاص. ويرافقهم سيلٌ من المواد الطبيعية الجديدة حقًا — ياسميناتٌ غير مألوفة، وشمّامٌ، وكستناء، وأخشابٌ تُجمع من جغرافياتٍ لم ترسمها اللوحة الكلاسيكية قط. المفردات نفسها آخذةٌ في الاتساع.
ولا مكان يظهر فيه هذا المزاج أوضح من صعود ما تسمّيه الصناعة اليوم «العطر الكوري». فقد أدرجه تقرير بوتس لعام ٢٠٢٦ ضمن الفئات الجديرة بالمتابعة، والجماليات التي يصفها مألوفةٌ لكل من تابع اكتساح كوريا لعالم العناية بالبشرة: الاعتدال بدل الصخب، والشفافية بدل القوة، ونهايةٌ تلتصق بالجلد بدل أن تعلن عن نفسها في أرجاء الغرفة. إنها غريزة «النقاء» — الصفاء بوصفه ترفًا — منتقلةً من رفّ الحمّام إلى طاولة الزينة. وفي عقدٍ فقد شيئًا فشيئًا شغفه بكل ما هو صاخب، يبدو هذا وصولًا أكثر منه موضة.
والبنية تتبع الفنّ كعادتها دائمًا. فمعرض الصين الرائد لعطور النيتش — الذي يُقام مرّتين في العام في شنغهاي، وصار أهمّ ملتقًى في البلاد للعطر الحرفي — يطلق أوّل نسخةٍ له في دبي، حاملًا الشرق لا نحو العواصم الأوروبية القديمة، بل مباشرةً إلى الخليج، تلك المنطقة الوحيدة التي لم تشكّ يومًا في أنّ العطر أمرٌ جادّ. إنها مصافحةٌ ذات دلالة: ثقافتا عطرٍ عظيمتان تلتقيان بشروطهما الخاصة، وأوروبا هذه المرّة ليست في الغرفة.
وتحت هذا كلّه تقبع الذاكرة، والذاكرة تسافر. فكلّما ازداد سفر العالم إلى اليابان وفيتنام وإندونيسيا، عاد حاملًا مفرداتٍ شمّيةً جديدة: انتعاشة اليوزو، وسكينة خشب الهينوكي الشاحبة، والحلاوة اللبنية للأرز الدافئ، والمرارة الخضراء لشاي السينشا، والعود الكثيف الراتنجي من جنوب شرق آسيا. سنواتٍ طويلة عاشت هذه النغمات على هامش التركيبة، مجرّد ومضةٍ في المقدّمة. أمّا اليوم فهي القلب والعمود، بل سبب وجود العطر أصلًا. ما كان بالأمس مجرّد توابل صار هو الطبق نفسه.
من السهل أن نصنّف هذا كموضةٍ أخرى تُستبدَل حين تأتي التالية. لكنه أكبر من ذلك. الموضات تتحرّك داخل مركز ثقلٍ ثابت، أمّا هنا فمركز الثقل ذاته هو الذي بدأ يتزحزح. والسؤال الذي يطرحه الأنف الخبير آخذٌ في التغيّر. لم يعد «هل تفوح منه رائحةٌ شرقية؟» — ذلك السؤال الذي أبقى الشرق دائمًا على مبعدة، شيئًا يُتأمَّل من بعيد. صار السؤال الآن أبسط وأبعد أثرًا: من الذي يمسك القلم؟ وأكثر فأكثر، يكون الجواب: أحدهم في سيول، أو في شنغهاي، أو في طوكيو — يكتب فصلًا جديدًا من فنٍّ قديمٍ جدًا، ويوقّعه أخيرًا باسمه هو.
قبل ما تقرّر
اقرأ عنه. وبعدين عيش معاه.
اطلب عيّنة 2ml من أي عطر في الدار والبسه كام يوم قبل ما تقرّر.